فخر الدين الرازي
505
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
سورة مريم عليها السلام وهي ثمان وتسعون آية مكية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة مريم ( 19 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص ( 1 ) قبل الخوض في القراءات لا بد من مقدمات ثلاثة . المقدمة الأولى : / أن حروف المعجم على نوعين ثنائي وثلاثي ، وقد جرت عادة العرب أن ينطقوا بالثنائيات مقطوعة ممالة فيقولوا : با تا ثا وكذلك أمثالها ، وأن ينطقوا بالثلاثيات التي في وسطها الألف مفتوحة مشبعة فيقولوا دال ذال صاد ضاد وكذلك أشكالها ، أما الزاي وحده من بين حروف المعجم فمعتاد فيه الأمران ، فإن من أظهر ياءه في النطق حتى يصير ثلاثيا لم يمله ، ومن لم يظهر ياءه في النطق حتى يشبه الثنائي يمله . أما المقدمة الثانية : ينبغي أن يعلم أن إشباع الفتحة في جميع المواضع أصل والإمالة فرع عليه ولهذا يجوز إشباع كل ممال ولا يجوز إمالة كل مشبع من الفتحات . المقدمة الثالثة : للقراء في القراءات المخصوصة بهذا الموضع ثلاثة طرق : أحدها : أن يتمسكوا بالأصل وهو إشباع فتحة الهاء والياء . وثانيها : أن يميلوا الهاء والياء . وثالثها : أن يجمعوا بين الأصل والفرع فيقع الاختلاف بين الهاء والياء فيفتحوا أحدهما أيهما كان ويكسروا الآخر ولهم في السبب الموجب لهذا الاختلاف قولان : الأول : أن الفتحة المشبعة أصل والإمالة فرع مشهور كثير الاستعمال فأشبع أحدهما وأميل الآخر ليكون جامعا لمراعاة الأصل والفرع وهو أحسن من مراعاة أحدهما وتضييع الآخر . القول الثاني : أن الثنائية من حروف المعجم إذا كانت مقطوعة كانت بالإمالة ، وإذا كانت موصولة كانت بالإشباع وها ويا في قوله تعالى : كهيعص مقطوعان في اللفظ موصولان في الخط فأميل أحدهما وأشبع الآخر ليكون كلا الجانبين مرعيا جانب القطع اللفظي وجانب الوصل الخطي ، إذا عرفت هذا فنقول فيه قراءات : إحداها : وهي القراءة المعروفة فيه فتحة الهاء والياء جميعا . وثانيها : كسر الهاء وفتح الياء وهي قراءة أبي عمرو وابن مبادر « 1 » والقطعي عن أيوب ، وإنما كسروا الهاء دون الياء ليكون فرقا بينه وبين الهاء الذي للتنبيه فإنه لا يكسر قط . وثالثها : فتح الهاء وكسر الياء وهو قراءة حمزة والأعمش وطلحة والضحاك عن عاصم ، وإنما كسروا الياء دون الهاء ، لأن الياء أخت الكسرة وإعطاء الكسرة أختها أولى من إعطائها إلى أجنبية مفتوحة للمناسبة . ورابعها : إمالتهما جميعا وهي قراءة الكسائي والمفضل ويحيى عن عاصم والوليد بن أسلم عن ابن عامر والزهري وابن جرير وإنما أمالوهما
--> ( 1 ) هكذا في الأصول ( ابن مبادر ) ولم نره في القراءة ولعله محرف عن ابن مناذر وهو مما سمت به العرب .